وهبة الزحيلي

10

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

مُعْرِضُونَ وصفهم بالغفلة مع الإعراض ، والغفلة في الأصل : عدم تذكر الشيء ، والمراد هنا : الترك إهمالا وإعراضا . والإعراض : الإضراب والتولي عن الشيء ، والمراد هنا الإعراض عن التأهب للحساب بالإيمان . مِنْ ذِكْرٍ أي قرآن ينبّه من الغفلة والجهالة مُحْدَثٍ أي جديد إنزاله ، منزّل شيئا فشيئا ، أتى به لتكرير التنبيه لأسماعهم كي يتعظوا يَلْعَبُونَ يستهزئون ويسخرون لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ غافلة ساهية متشاغلة عن التأمل وتفهم معناه وَأَسَرُّوا النَّجْوَى أي أسروا التناجي والكلام ، والمراد : أنهم أخفوا التناجي وبالغوا في الإخفاء هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي أسروا هذا الحديث ، أو قالوا بمعنى اعتقدوا ، والمراد : هل هذا أي محمد إلا بشر مثل الناس ، وكل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر ، ومعجزته سحر ، ولذلك قالوا : أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أي أتتبعون السحر ، وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر ؟ ! قالَ : رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي قال لهم محمد : اللّه يعلم القول كائنا في السماء والأرض ، جهرا كان أو سرا ، فضلا عما أسرّوا به وَهُوَ السَّمِيعُ لما أسروه الْعَلِيمُ بما قالوا ، فلا يخفى عليه ما تسرون ، ولا ما تضمرون . بَلْ للانتقال من غرض إلى آخر ، ولا تذكر في القرآن إلا على هذا النحو قالُوا : أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي إنهم قالوا : إن ما أتى به من القرآن تخاليط أحلام رآها في النوم ، فهم أضربوا عن قولهم : هو سحر إلى أنه أخلاط أحلام بَلِ افْتَراهُ أي اختلقه من عنده ، فهم أضربوا ثانية إلى أنه كلام افتراء بَلْ هُوَ شاعِرٌ أي ثم أضربوا إلى أنه قول شاعر ، فما أتى به هو شعر ، والانتقال في المواضع الثلاثة للدلالة على التردد والتحير في وصف القرآن فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ . . أي كناقة صالح ، وعصا موسى ويده ، ومعجزات عيسى كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى . ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أي ما آمن أهل قرية أهلكناها بتكذيب ما أتاها من الآيات التي جاءتهم لما اقترحوها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ لو جئتهم بها ، وهم أعتى منهم ؟ لا . وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بالمقترح للإبقاء عليهم ؛ إذ لو أتى به ، ولم يؤمنوا ، استوجبوا عذاب الاستئصال ، كمن قبلهم . سبب النزول : نزول الآية ( 6 ) : أخرج ابن جرير عن قتادة قال : قال أهل مكة للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن كان ما تقول حقا ، ويسرّك أن تؤمن ، فحوّل لنا الصفا ذهبا ، فأتاه جبريل عليه